محمد سليم الجندي
9
تاريخ معرة النعمان
وخلاصة هذه الحادثة ان رجلين من التبعة الفرنسية يقال لأحدهما : انطون ، وللثاني : بابيل ، جاءا المعرة سائحين للتنقيب عما فيها من الآثار ، فأقاما بها نحو سبع سنين ، وكانا يتجران ، وقد اتصلا خلال ذلك بطائفة من الأشرار ، وأرباب الدعارة ، وافتتحا حانة يختلف إليها الفجرة ، وكان صالح هذا لا يقوم لهما إذا دخلا عليه ، ومنعهما من الخمارة ، وكانا قد اتخذا صنائع من العامة ، منهم رجل يقال له الأزرق ، من أسرة يقال لهم : بنو طعمة ، ويقال لهم : بنو الغشاش ، فقال ذات يوم في ملأ من الناس : انا تركت الاسلام ودخلت في دين انطون ، فلما بلغ صالحا خبره ، شهره في المدينة ، وحبسه حتى تاب وأناب ، فأقام عليه الرجلان دعوى ادعيا انه يحقرهما ، فلا يقوم لهما في المجلس ، ويدعو عليهما وعلى المشركين على المنبر ، ولفقا من هذه الدعوى سبلا مختلفة ، فسيق إلى المحاكمة في حماة وبقي فيها نحو ثلاث سنوات ، ثم ألحقت المعرة بحلب ، فنقلت الدعوى إليها ، وبقي نحو ثلاث سنوات يرد فيها الأقوال المفتراة ، ويدحض الحجج الملفقة وشهود الزور ، وكان يشد أزرهما قنصل فرنسا ، وجماعة من خصومه المعريين ، وكانت الحكومة العثمانية لا تعضده ، فلما كان ذات يوم في مجلس الحكم ، جاء خصومه بشاهد صغير السن ، فطعن في شهادته ، فقال خصومه : نعم ان هذا الولد لم يشهد الحادثة بنفسه ، ولكن أباه شيخ هرم ، فجاء يشهد عن أبيه ، فاتضح للحكام ان الدعوى كلها ملفقة ، وان الغرض منها إهانة صالح ، وتعذيبه وتكليفه نفقات فادحة ، حتى يكون ذلك رادعا له وزاجرا له . واتضح للخصوم ان أمرهم قد افتضح ، وان افتراءهم قد وضح ، فامسكوا وبهتوا ، وقد رأيت رفيعة بخط صالح هذا مؤرخة في 28 جمادى الآخرة سنة 1285 ه تشتمل على تشكية من مناصرة خصميه على الباطل ، ومضبطة مؤرخة سنة 1287 ه موقعة من طائفة كبيرة من أعيان المعرة ، تؤيد صدق دعواه وكذب خصومه .